إذا كانت سورة الكهف تتضمن أجمل صور العدد في القرآن فمحورها الاساسي هو وحدانية الله والبعث والقيامة.
صاحب موسى (ص) الخضر أقام جدارا بدون أجر إكراما لليتيمين وحفظا لميراثهما من طمع الطامعين. وهناك قصة على سبيل المثال، في السورة، عن رجلين آتاهما الله من رزقه ، فمنهم شاكر لنعمه ومنهم منكر لها :
﴿ ۞ وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَّٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44) ﴾ سورة الكهف.
الآيات هي تمثيل للمؤمن والكافر بالله والمُنكر للحياة الأخروية ، فالأول منهما يعتمد على رحمته الواسعة ، والثاني يركن إلى الدنيا ويطمئنّ بها . الثاني تملّك ضِياعاً فافتخرَ على الفقير ، وقال : { أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً } ، وقد تعلّقت مشيئته بما ملك وراح يفتخر على صاحبه بكثرة ما كسب . وكان كلّما يدخل جنّته يقول : ما أظنّ أن تُفنى هذه الجنّة وهذه الثمار ، أي تبقى أبداً، و نسي ذكر الله ـ وأخذَه الشكّ، يُكذّب بالساعة ، ويقول : ما أحسبُ القيامة آتية ، ولو افتُرِض صحّة ما يقوله الموحِّدون من وجود القيامة ، فلئن بُعثت يومذاك ، لآتاني ربّي خيراً من هذه الجنّة ، بشهادة إعطائي الجنّة في هذه الدنيا دونكم ، وهذا دليل على كرامتي عليه . وعند ذلك يواجهه صاحبه الحكيم واعظا ومذكّرا بسوء العاقبة: فما تقوله إنكار للصانع وللمعاد ، و إنكار للربّ ! ، وأنا عبدٌ لله لا أُشرك به أحداً . وإن كنتَ أقلّ منك مالاً وولداً ، ولكن أرجو أن يجزيني ربّي في الآخرة خيراً من جنّتك ، كما أترقّب أن يرسل عذاباً من السماء على جنّتك فتصبح أرضاً صلبة لا ينبت فيها شيء، أو يجعل ماءها غائراً ذاهباً في باطن الأَرض ، على وجه لا تستطيع أن تستحصله .
﴿ ۞ لَّٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) ﴾
أما أنا فلا أكفر بربي، ولكن أنا أقول: هو الله ربي،
(القراءة كلها تثبت فيها الألف)... حذف الألف من " لكنّ" في الوصل، وإثباتها في الوقف.
وكانت العاقبة :
أصاب الهلاك والجوائح كل أصناف ثمور جنته التي كان لا يظن أن تبيد أبدا فأصبح الكافر يقلب كفيه أسفا عليها و على ما أنفقَ من الأموال في عمارة جنّتيه، وهي خالية ....ويقول بعد ما أصيب: "يا ليتني ، لم أكن قد أشركت بربي أحدا". والعبرة: ... إذا هلك الكافر وزالت عنه دنياه وانفرد بعمله، ودّ أنه لم يكن كفر بالله ولا أشرك به شيئا. ولكن لم ينفعه ندمه ولم يكن هناك مَن يدفع عنه عذاب الله ، ولم يكن منتصراً من جانب ناصر .
هذه حصيلة التمثيل ، وقد بيّنه سبحانه على وجه الإيجاز بقوله :
﴿ ۞ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ( 46 ) ﴾ سورة الكهف.
﴿ ۞ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ (55) ﴾ سورة الصافات.
إلى هنا تبيّن مفهوم المثل...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق